نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
80
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ الآية . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : قد تكلم الناس في توبة المغتاب هل تجوز من غير أن يستحل من صاحبه ! قال بعضهم يجوز ، وقال بعضهم لا يجوز ما لم يستحل من صاحبه ، وهو عندنا على وجهين : إن كان ذلك القول قد بلغ إلى الذي اغتابه فتوبته أن يستحل منه وإن لم يبلغ فليستغفر اللّه تعالى ويضمر أن لا يعود إلى مثله . وروي أن رجلا أتى ابن سيرين فقال : إني اغتبتك فاجعلني في حل ؟ فقال وكيف أحل ما حرم اللّه ؟ فكأنه أشار إليه بالاستغفار والتوبة إلى اللّه تعالى مع استحلاله منه ، فإن لم تبلغ إلى صاحبه تلك الغيبة فتوبته أن يستغفر اللّه تعالى ويتوب إليه ولا يخبر صاحبه فهو أحسن لكيلا يشتغل قلبه به ، ولو أنه قال بهتانا لم يكن ذلك فيه فإنه يحتاج إلى التوبة في ثلاثة مواضع . أحدها أن يرجع إلى القوم الذين تكلم بالبهتان عندهم ويقول إني قد ذكرت عندكم فلانا بكذا وكذا فاعلموا أني كاذب في ذلك . والثاني أن يذهب إلى الذي قال عليه البهتان ويطلب منه أن يجعله في حل . والثالث أن يستغفر اللّه تعالى ويتوب إليه فليس شيء من الذنوب أعظم من البهتان ، فإن سائر الذنوب يحتاج إلى توبة واحدة والبهتان يحتاج إلى التوبة في ثلاثة مواضع ، وقد قرن اللّه تعالى البهتان بالكفر فقال تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ويقال لا تكون الغيبة إلا في قوم معلومين حتى لو ذكر أهل مصر من الأمصار فقال هم بخلاء أو قوم سوء لا يكون غيبة لأن فيهم البر والفاجر وعلم أنه لم يرد به الجميع والكف عن ذلك أفضل . وذكر عن بعض الزهاد أنه اشترى قطنا لامرأته فقالت المرأة إن باعة القطن قوم سوء قد خانوك في هذا القطن فطلق الرجل امرأته ، فسئل عن ذلك فقال : إني رجل غيور فأخاف أن يكون القطانون كلهم خصماءها يوم القيامة فيقال إن امرأة فلان تعلق بها القطانون فلأجل ذلك طلقتها . وقال ثلاثة لا تكون غيبتهم غيبة : سلطان جائر وفاسق معلن وصاحب بدعة يعني ، إذا ذكر فعلهم ومذهبهم ولو ذكر شيئا من أبدانهم بعيب فيهم لكان ذلك غيبة ولكن إذا ذكر فعلهم ومذهبهم فلا بأس لكي يحذرهم الناس . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أذكروا الفاجر بما فيه لكي يحذره الناس » . قال رضي اللّه تعالى عنه : الغيبة على أربعة أوجه : في وجه هي كفر ، وفي وجه هي نفاق ، وفي وجه هي معصية ، والرابع مباح وهو مأجور . فأما الوجه الذي هو كفر فهو أن يغتاب المسلم فيقال له لا تغتب فيقول ليس هذا غيبة وأنا صادق في ذلك فقد استحل ما حرم اللّه تعالى ومن استحل ما حرم اللّه تعالى صار كافرا نعوذ باللّه . وأما الوجه الذي هو نفاق فهو أن يغتاب إنسانا فلا بسميه عند من يعرف أنه يريد منه فلانا فهو يغتابه ويرى من نفسه أنه متورع فهذا هو للنفاق . وأما الذي هو معصية فهو أن يغتاب إنسانا ويسميه ويعلم أنها معصية فهو عاص وعليه التوبة . والرابع أن يغتاب فاسقا معلنا بفسقه أو صاحب بدعة فهو مأجور لأنهم يحذرون منه إذا عرفوا حاله . وروي عن